الشباب المغربي
بين
الإحجام والإقدام على العمل السياسي
ذ: محمد أقديم
امنتانوت
توطئة
قبل مقاربة هذا الموضوع – الظاهرة- من جميع الجوانب السياسية و الاجتماعية والثقافية، لابد من الوقوف على المفاهيم الاصطلاحية التي سنقوم بتوظيفها في الاشتغال على هذه الظاهرة المعقدة، خاصة وأن المفاهيم المحددة بشكل دقيق تشكل المفاتيح فهم الموضوع واستيعابه .لذلك سنبدأ تحديد ما نقصده بالشباب ثم ندقق في ما نعنيه بالمشاركة السياسية، لننتقل إلى تحليل الأسباب والعوامل الكامنة وراء تأرجح الشباب بين الإقدام على الانخراط في العمل السياسي والعراقيل التي تقف وراء إحجامه عن ذلك.
مفهوم الشـــــــباب
يتم استعمال هذا المفهوم بكثرة في البحوث والدراسات السوسيولوجية والاقتصادية والنفسية والتربوية، وأصل اللفظ شب ويشب أي صار فتيا ، ومنه شاب وشباب وشبان وشبيبة وشبائب أي من كان في سن الشباب، وهو من سن البلوغ والرشد إلى سن الثلاثين. في المعجم الوسيط الشباب هو من أدرك سن البلوغ إلى سن الرجولة، وشباب الشيء أوله.
ومرادفات كلمة الشباب كثيرة منها المراهق الفت والغلام وهي كلمات تدل على مراحل عمرية محددة، كما تشير إلى خصائص جسمانية ونفسية لفترة من الحياة تتميز بالقوة والنشاط والحماس.
هناك اختلاف في تحديد هذه المرحلة العمرية فكل باحث يحددها انطلاقا من طبيعة بحثه ومجال تخصصه وحتى مناهج تحليله ومن النتائج التي يتوصل إليها، وغالبا ما يتم اعتماد المفاهيم الإجرائية للشباب حسب طبيعة البحوث والدراسات التي يشتغل عليها الباحث. ذلك أن اعتماد مقاييس بيولوجية أو نفسية أو عمرية أو سوسيولوجية أو دينية منفردة بعضها عن البعض وفي غياب أو تغييب للسياق الاجتماعي والثقافي لظاهرة الشباب قد يؤدي إلى الخلط وعدم الدقة الالتباس في تناول الظاهرة.
خلاصة ذلك أن مرحلة الشباب تبدأ بتخطي سقف البلوغ الشرعي والرشد القانوني حيث اكتمال النضج الجسماني العقلي والعاطفي، هذه المميزات التي تشكل بدورها مقدمة للاندماج الاجتماعي، وغالبا ما تبدأ هذه المرحلة في الأوضاع الطبيعية في سن الخامسة عشرة وتنتهي في مابين الخامسة والعشرين سنة والثلاثين سنة.
إلا أن المتعارف عليه في الأنظمة الأساسية والداخلية للهيئات السياسية والتنظيمات الجمعوية المغربية هو تعاملها مع منخرطيها كشباب إلى غاية سن الأربعين.
مفهوم المشاركة السياسية
قبل تناول المشاركة السياسية بالتحليل لا مفر من تحديد ما نعنيه بالسياسة. فأصل كلمة السياسة حسب لسان العرب لابن منظور من السوس بمعنى الرئاسة ، وساس الأمر سياسة قام به بما يصلحه، والمراد بالأمر هو الشأن العام بالمعنى المتعارف به في العصر الحاضر، وبذلك تكون السياسة هي فن إدارة الشأن العام و تدبيره، وتنظيم العلاقات بين الحكام والمحكومين على أسس يتم التوافق حولها على شكل مواثيق وقوانين تتوخى العدل والمساواة ، وتسهر على حماية حقوق الأفراد والجماعات وخدمة المصلحة العامة للمجتمع بما يدفعه إلى الارتقاء نحو الأفضل والتطور نحو الأحسن.
في ظل هذا الفهم تكون السياسة من الحاجيات الأساسية للمجتمعات البشرية وضرورية لتنظيم شؤونها بما يحقق الاستقرار والأمن والتوازن والعدالة لكل للمجتمع أفراد وجماعات
أما المشاركة السياسية من خلال علم السياسة تتحدد من خلال العمل الإرادي التطوعي للمواطن الذي يسعى إلى التأثير في السياسة العمومية وإدارة الشؤون العامة واختيار المسئولين وطنيا ( الحكومة والسلطة التشريعية) وجهويا وإقليميا ومحليا( المجالس المنتخبة). إذن فالمشاركة السياسية تسعى من خلالها المواطن إلى التأثير والتوجيه والضغط والمشاركة في صنع القرار السياسي في أجهزة الحكم الوطنية والجهوية والمحلية، أومباشرة المهام والمسؤوليات العامة سواء كانت ذات طابع تقريري أواستشاري أو تنفيذي أو رقابي.
المشاركة السياسية كظاهرة مرتبطة بالدولة الحديثة بشكل أساسي ، عرفت تطور كبيرا، وتعكس إلى حد ما تطورالمجتمعات البشرية إذ تتسع وتضيق حسب نمو العالم الحضري وانتشار التعليم وما يتبعه من تقلص للامية والجهل وارتقاء لمستوى الوعي، وتحسن في مستوى المعيشة، وكذلك ظهور ونمو للقوى الاجتماعية والنخب الثقافية والسياسية واصطفافها في تنظيمات مدنية أوسياسية أوفعاليات ثقافية .
لماذا المشاركة السياسية؟
إذا كان تدبير الشأن العام وضمان حسن سيره بما يشبع حاجيات المواطنين ويحقق طموحاته ، إذا كان ذلك يحتاج إلى مؤهلات وكفاءات ومهارات في القيادة والتوجيه والقدرة على التسيير و التنظيم والخلق والابتكار والإنصات للمواطنين والإلمام بحاجياتهم والإدراك الجيد لطموحاتهم وتطلعاتهم، وهذه الصفات والمميزات لا يمكن أن تتوفر في عامة المواطنين، فرغم ذلك فالعمل السياسي والمشاركة السياسية لا يمكن أن تكون محتكرة من طرف هذه النخب التي تنتظم وتتكتل في التشكيلات المدنية والسياسية وتقتصر عليها فقط.ذلك أن هذه النخب الثقافية والاجتماعية و السياسية التي تتوفر فيها الشروط اللازم لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام غير متجانسة من حيث قواعدها الاجتماعية وغير موحدة الأهداف و مختلفة من حيث توجهاتها الفكرية وبرامجها السياسية، مما يحتم ضرورة المشاركة الواسعة لعامة المواطنين في اختيار ودعم الطرف الذي يرونه يتبنى قضاياهم وهمومهم ويدافع على مصالحهم بالمساهمة الانخراط في الإطارات السياسية والمدنية،هذا ما يجعل من المشاركة السياسية حق من حقوق المواطن الذي لا يجب أن يفرط فيه،بل عليه أن يناضل من أجله بكل ما أوتي من قوة.
إذا كان الأمر كذلك فما هي العوامل الكامنة وراء إحجام الشباب المغربي عن الاهتمام بالشأن العام ؟ وماهي الأسباب التي تقف وراء عدم إقدامهم على المشاركة السياسية بعدم الإقبال على الانخراط في الأحزاب السياسية والهيئات المدنية وبمقاطعتهم للاستشارات الانتخابية؟
الإحجام والإقدام على المشاركة السياسية
ظاهرة عزوف الشباب عن العمل السياسي لا يمكن تفسيرها بالعوامل الموضوعية فقط، سواء ذات العلاقة بالأوضاع الاجتماعية وانعكاساتها السياسية و بصيرورة العمل السياسي بالمغرب منذ الاستقلال وما تخللها من ظروف القمع والمنع والفساد والإفساد للعملية السياسية، أو ذات الصلة بالمسألة الحزبية و القانونية و الدستورية ، أو العوامل المرتبط بالوضع العالمي. كما لا يمكن فهمها من خلال حصر أسبابها في الاهتمامات و المشاكل الذاتية للشباب لوحدها. ولكن يمكن تفسيرها وفهمها من خلال هذه الظروف و الأسباب مجتمعة، كيف ذلك؟
العوامل الموضوعية للعزوف عن السياسة
- 1- بنية اجتماعية تقليدية بدوية
أول ما يجب التركيز عليه في تناول الظروف الموضوعية لعزوف الشباب عن المشاركة السياسية في المغرب عامة هو أن غالبية ساكنة المغرب إلى غاية احصاء1994 قروية يغلب على حياتها الاجتماعية الطابع البدوي الريفي وتكون مؤطرة من الناحية السياسية بالأنساق القبلية والعشائرية وفي أحسن الأحوال بالزوايا والطرق الصوفية، وهذه المؤسسات الاجتماعية الطبيعية الأهلية تختلف عن مؤسسات المجتمع المدني( النقابات- الأحزاب- الجمعيات- الشركات..) في المدن والحواضر، من حيث كون هذه الأخيرة تعتمد في عضويتها والانخراط فيها أو الانسحاب منها عن مبدأ الإرادة الحرة و التطوع ،على عكس البنيات المؤطرة للمجتمع الأهلي البدوي التي يجد الفرد نفسه منتميا إليها منذ ولادته ومن دون اختياره. ومادام المجتمع المغربي لازال يعيش هذا التحول في بنياته السوسيولوجية فقد انعكس ذلك على المواطنين ذكورا واناثا- شيوخا- كهولا وشبابا) وعلى مؤسسات مجتمعه المدني ومنها الأحزاب التي يلم تستطع بعد التخلص من الرواسب القبلية سواء من حيث العقليات أو السلوكات أو العلاقات. فالأمر لا يقتصر على الشباب فقط ، لذلك نلاحظ أن هناك ضعف في الإقدام على الانخراط في العمل السياسي من جميع الفئات شبابا وكهولا ونساء.كما أن المشكل ليس خاصا بالأحزاب فقط، بل بباقي الإطارات المدنية الأخرى.
-2- تدهور الطبقة المتوسطة في المجتمع
عدم اهتمام الشباب بالعمل السياسي يمكن كذلك فهمه من خلال موقع هذا الشباب الاجتماعي، فالعمل السياسي كان دائما ولازال مجالا للتنافس والصراع بين النخب التي غالبا ما كان موقعها الاجتماعي في الطبقة المتوسطة في المجتمع، ذلك أن هذه الأخيرة هي وحدها المؤهلة لإفراز النخب باختلاف توجهاتها الفكرية وأهدافها السياسية. وقد كان للتعليم العصري وتطور القطاعين الاقتصاديين (الصناعة والتجارة- الخدمات- الوظيفة العمومية ) في المغرب منذ فترة الاستعمار دورا أساسيا في تشكيل هذه الطبقة وتوسعها، فأفرزت نخبة سياسية(الحركة الوطنية- قيادة جيش التحرير…) هي التي قادت المغرب الاستقلال. بعد ذلك ستعرف هذه الطبقة المتوسطة توسعا كبيراو ملحوظا بعد سياسة تعميم التعليم ومغربة الإدارة و القطاع الاقتصادي، مما فتح المجال أمام أبناء الفلاحين والعمال للتسلق الاجتماعي منذ الاستقلال إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي. وبذالك أصبح الطبقة المتوسطة واسعة و كبيرة نسبيا من الناحية الكمية ، متنوعة في أصولها الاجتماعية، ومختلفة في توجهاتها الفكرية، ومتعددة في تنظيماتها السياسية و المهنية، ومتضاربة في أهدافها وطموحاتها المستقبلية،وهذا ما زاد من نسبة تسييس المجتمع والشباب منه على وجه الخصوص خلال تلك المرحلة.
ومنذ مطلع الثمانينيات من القرن الم






















